في الصف، تشرح سعاد للطلاب أن كوكب الزهرة غارق في حرارة عالية، والمريخ كوكب صخري بارد، وأن الكون يسير وفق قوانين فيزيائية ثابتة. تقولها بثقة المعلمة المتمرسة، هي الخريجة الجامعية في العقد الرابع من عمرها، من مدينة طرطوس، تُدرّس مادة الفيزياء، وتدرب تلامذتها على التفكير النقدي، في عالم تعمّه المعلومات المضللة والافتراضات الزائفة. وحين تنتهي من دوامها، تدخل غرفتها وتجالس انفعالاتها العاطفية بتناغم هارمُوني وهِرموني.
في تلك الغرفة، تتابع يومياً في فايسبوك منشورات الأبراج وقراءات ورق التاروت، تتفحص إمكانات التوافق بين برجها الميزان وبرج حبيبها الدلو، وتتابع توقعات أسبوعهما العاطفي. هذا ليس تناقضاً بسيطاً يمكن تفسيره بجملة واحدة، أو بالأحرى، ليس النوع السهل من التناقض الذي تسهل محاكمته أو الحكم عليه من الخارج.
نشأت سعاد في بيت حيث لا يسهل الكلام عن المشاعر، كان الصمت والخجل من مقوّمات حسن التربية، فتعلّمت كيف تخفي القلق خلف ابتسامة، وتحوّل الأسئلة الوجودية إلى واجبات مدرسية، وحين حلّت الانتكاسة العاطفية الأولى، وبدلاً من فتح جروحها أمام الآخرين، فتحت الانترنت بحثاً عن إجابات.
يوم سعاد طويل في المدرسة، ففي صفها 30 تلميذاً، كراساتهم تنتظر التصحيح، إضافة إلى إعداد الدروس والتواصل مع أولياء الأمور. وحين تعود إلى البيت، يحتاج عقلها استراحة، تماماً كالتي يحتاجها التلاميذ. هنا يأتي دور الهاتف، ولكثرة متابعتها لصفحات الأبراج، أصبحت تظهر لها تلقائياً، خوارزميات فايسبوك تعرف ما يجذبها.
الطقس اليومي هذا ليس هروباً مطلقاً، إنه طقس استشفائي مؤقت تمارسه بسرية تامة، خوفاً من السخرية، ومن تهمة الازدواجية، التي لا تستطيع الدفاع عنها بكلمات بسيطة، المشكلة الحقيقية ليست في قراءة الطالع، المشكلة أن عقل سعاد لا يرحمها.
فحين يتأخر حبيبها في الرد، أو تنتهي المكالمة بشكل مختصر، يبدأ عقلها بالعمل بلا توقف، يحلل النبرة، يفسر الصمت، يبني سيناريوهات. العقل نفسه الذي يجعلها معلمة ممتازة في الصف، وفي الحب تلميذة متعبة. فالتحليل المنطقي لا يُسكّن الخوف، بل يضخّمه أحياناً، بينما يفعل الطالع شيئاً مختلفاً تماماً، إذ يوقف التحليل، ويعطيها جملة جاهزة تملأ الفراغ المهدد بالقلق. هو ليس إجابة، لكنه ضجيج مريح يُسكت الأسئلة لبعض الوقت. هي التي تسمع صوت داخلها “أعرف أن هذا لا يثبت شيئاً، لكن…”. هذا الاعتراف يميز بين من يستسلم للخرافة ومن يستخدمها أداةً مؤقتة للتعامل مع الألم. سعاد لا تتخلى عن عقلها، بل تمنح نفسها إذناً مؤقتاً للبحث عن معنى أقل قسوة من الحقيقة.
قبل أشهر، وأثناء تصفحها المعتاد، قرأت إعلاناً لشابة عراقية، تستعرض قراءاتها لورق التاروت عبر الواتسآب. كتبت لها سعاد “مساء الخير”، وبعد ثوان جاء الرد:” لفتح الطالع..أرجو تحويل مبلغ 200 دولار، وسنرسل لك أسماء مكاتب التحويل”. فوجئت معملة الفيزياء، لا لأنها تذكرت فجأة أن هذا كذب، بل لأن المبلغ أكبر مما تستطيع، فانسحبت، بخيبة أمل لأنها لم تستطع أن تشتري كلمات الأمل، التي ربما…ستريحها.
هذه اللحظة قالت الكثير، ليس عن سعاد وحدها، بل عن سوق بأكمله يعرف بالضبط أين يكمن الألم، وكم سعره. الأمل يمكن أن يصبح سلعة، ومَن يملك المال قد يحصل على كلمات طمأنة توحي بانتصار وشيك، بينما يبقى الآخرون محرومين حتى من تلك الراحة المؤقتة.
يشير عالم النفس، إريك فروم، إلى أن الإنسان الحديث، رغم تقدمه العلمي، ما زال يبحث عن أنظمة تمنحه شعوراً بالأمان في مواجهة القلق واللايقين. وكلما اتسعت مساحة المعرفة، اتسعت معها مساحة الأسئلة التي لا إجابات نهائية لها، خصوصاً في المجال العاطفي. وفي بلد منهك كسوريا، حيث تهاوى اليقين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ضاق أفق جواز السفر السوري، وضاق معه أفق العلاقات.
لو سُئلت سعاد بصدق، لن تقول لك إنها تؤمن بتحكّم النجوم في حبيبها، ستقول إنها تريد أن تسمع أن الأمور ستتحسن، وهذا ليس طلباً خرافياً، بل يحتاجه كل إنسان يقف على حافة علاقة لا يعرف إلى أين تؤدي. الفارق أن سعاد لم تجد مَن يخبرها الحقيقة، أي حقيقة. لا معالج نفسياً، ولا صديقة تحظى بثقة كافية، فلم تجد في النهاية سوى صفحات الأبراج والتاروت، التي تقول دائماً إن الأمور ستتحسن وأنها مقبلة على فرج عظيم.
لعل جينات النساء في الحب، واحدة، والثقافة وحدها لا تكفي. لا انتصار في إقصاء الخرافة بالقوة، ولا في الاستسلام لها. الرحمة تجاه الذات تسمح بإيجاد توازن يحفظ لواحدنا عقله الناقد، ولا ينكر عليه أدوات مؤقتة لتهدئة القلب.
في نهاية يوم طويل ومرهق، تفتح سعاد صفحة الأبراج وتحديداً برج الدلو الذي يعيش حالة استقرار عاطفي! تضع هاتفها جانباً بعصبية، وتُسلّم بأن بعض الأسئلة يبقى بلا إجابات. في هذا القبول الصعب، تكمن شجاعة أخرى.
