أحدث القرار الذي أصدره بنك السودان المركزي، والقاضي بإلزام الشركات المستوردة للمشتقات البترولية بإيداع 200 كيلوغرام من الذهب لدى مصفاة الذهب والحصول على شهادة لاستخراج إذن الاستيراد، صدمة حقيقية في سوق المشتقات البترولية؛ حيث تزامن القرار مع طوابير طويلة أمام محطات الوقود نتيجة نقص الإمدادات، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية.ويرى مراقبون أن الشرط الجديد قد يحد من قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على دخول سوق الاستيراد، الأمر الذي قد يعزز هيمنة عدد محدود من الشركات الكبرى بدلاً من تخفيف الأزمة القائمة.ففي الوقت الذي انعدمت فيه مشتقات الوقود في السودان، برر كثيرون ذلك بالارتفاع المتوالي لسعر الدولار مقابل الجنيه السوداني؛ حيث قفز الدولار الواحد إلى أكثر من 4700 جنيه، ما أدى إلى اختفاء الوقود في المحطات وظهور سوق سوداء يُباع فيها غالون البنزين بأكثر من 60 ألف جنيه سوداني، الأمر الذي فاقم من سوء المستوى المعيشي للمواطنين.ويرى خبراء تحدثوا لـ”العربي الجديد” وجود اضطراب كبير وعدم ثبات في سياسات الحكومة السودانية تجاه استيراد الوقود؛ فهي قد أصدرت قراراً باحتكار الحكومة لعمليات استيراد الوقود، ثم تراجعت فطلبت من كل الشركات الراغبة في استيراد الوقود إيداع 200 كيلوغرام من الذهب مقابل السماح لها بالاستيراد، قائلين إن الإجراء كافٍ تماماً لاستبعاد كل الشركات غير المؤهلة من الدخول في التزاحم على النقد الأجنبي، ولكنهم رأوا ضرورة وجود الحكومة في عمليات الاستيراد على الأقل في الوقت الراهن.
يقول الاقتصادي الفاتح عثمان: “بما أن الحكومة قررت إنشاء محفظة لتمويل عمليات استيراد الوقود، فهذا يعني أن الحكومة ستمول الشركات الراغبة في استيراد الوقود من المحفظة مباشرة، بينما يتم قبول الذهب مقابل التمويل، وبذلك يتجنب البنك المركزي شراء الدولار من السوق الموازية لتمويل المحفظة، ويتجنب في ذات الوقت الشراء المباشر للذهب لتفادي رفع التضخم وزيادة الكتلة النقدية في البلاد”. وقال إن هذه الخطة قد تنجح في منع انهيار سعر الصرف للجنيه السوداني وإكسابه ثباتاً نسبياً قد يستمر لقرابة العام إن أُحسنت إدارة المحفظة.ويرى آخرون أن سياسة الذهب مقابل استيراد الوقود قد تكسر ظهر السوق الموازية للعملة مؤقتاً، ولكنها تعتبر خطوة إسعافية لا تغني عن ضرورة تبني رؤية اقتصادية تعالج جذور الأزمة، فيما يظل النجاح مرهوناً بمدى صرامة الدولة في التنفيذ.ورفضت الغرفة القومية لمستوردي المنتجات البترولية في السودان قرار البنك المركزي بإلزام الشركات بإيداع 200 كيلوغرام من الذهب قبل الحصول على تصاريح استيراد الوقود، معتبرة أن الإجراء يفاقم اضطرابات السوق ويحد من قدرة الشركات على الاستيراد. وقالت الغرفة في بيان إن تحميل شركات القطاع الخاص مسؤولية تراجع الجنيه أو ارتفاع أسعار العملات الأجنبية “غير دقيق”، مشيرة إلى أن تقلبات الصرف ترتبط بعوامل هيكلية تشمل ضعف موارد النقد الأجنبي وارتفاع تكاليف الاستيراد العالمية.ووفقاً لمصادر، فإن هنالك ست شركات فقط مؤهلة فعلياً لاستيراد الوقود وفق شروط بنك السودان؛ إذ يتطلب توفير 200 كيلوغرام من الذهب نحو 29 مليون دولار، ما يعادل قيمة باخرة واحدة، ومن المتوقع أن يضيف البنك المركزي إلى احتياطاته نحو طن و200 كيلوغرام من الذهب، تعادل قيمتها نحو 174 مليون دولار.أما الخبير المصرفي وليد دليل، فيرى أن القرار هو محاولة لتحويل عائدات الذهب، أو على الأقل جزء منها، إلى غطاء يدعم الاحتياطي الرسمي ويضبط حركة النقد الأجنبي المرتبطة بقطاع الطاقة، لكن المشكلة أن هذا المنطق يصطدم مباشرة بطبيعة قطاع الوقود نفسه، وهو قطاع لا يحتمل التأخير أو التعقيد الإجرائي؛ فالسودان يعيش منذ أشهر أزمة وقود حادة تنعكس على الكهرباء والمواصلات والخبز، وأي اشتراط جديد يبطئ سلسلة إصدار الموافقات سيعني عملياً مزيداً من الانتظار قبل وصول الشحنات، في وقت لا يحتمل فيه السوق مزيداً من التأخير. ويرى أن الشركات العاملة في استيراد المشتقات البترولية تجارية ولوجستية بطبيعتها، لا تملك في الغالب مخزوناً من الذهب يمكنها التصرف فيه بسهولة.
وهذا يعني أنها ستجد نفسها مضطرة إلى البحث عن هذه الكمية في سوق الذهب المحلي، وهو سوق متوتر أصلاً ومرتبط بشبكات تهريب واسعة، بحسب دليل. والنتيجة المرجحة هي أن الطلب الجديد على الذهب، الناتج عن هذا الاشتراط، قد يغذي السوق الموازية بدلاً من أن يضعفها، عكس ما يُفترض أن يكون الهدف من القرار، كما أن القدرة على تأمين هذه الكمية ستكون أيسر على كبار المستوردين أو من لديهم علاقات قائمة مع شبكات تعدين أو تهريب، وهو ما يفتح الباب أمام تركز السوق في يد عدد محدود من الفاعلين، على حساب الشركات الصغيرة والمتوسطة التي قد تجد نفسها خارج المنافسة تماماً، وفق دليل.وفي المقابل، يقول الخبير الاقتصادي إبراهيم أونور إن معظم شركات استيراد النفط هي شركات لتصدير الذهب أيضاً، وبالتالي ليس لديها مشكلة في إيداع ضمان الذهب. ورأى أنه ليس هنالك حل لمشكلة تدهور الجنيه إلا أن يكون بنك السودان مشترياً رئيساً للذهب بالسعرين العالمي والسوق الموازية من المعدنين في أماكن الإنتاج، وانتقد أونور الفهم الخاطئ للذين يعتقدون أن شراء بنك السودان للذهب سياسة تضخمية لأنها تتطلب ضخ سيولة نقدية في السوق، مشيراً إلى أن هنالك آليات معينة يمكنها تحييد التداعيات التضخمية.من جانبه، يقول أستاذ الاقتصاد محمد الناير إنه يجب على الحكومة ألا تتراجع عن دخولها في عمليات استيراد المشتقات النفطية، ويبرر ذلك بخفض التكلفة على المستهلك ومنع دخول الشركات سوق النقد الأجنبي. وأضاف: “لكن بنك السودان المركزي خرج فجأة بقرار آخر وهو إيداع 200 كيلوغرام من الذهب مقابل الاستيراد”. ويؤكد الناير أن هذه الكمية تعادل شحنة نفط، ويتساءل بقوله: “نحتاج إلى شرح القرار؛ هل الإيداع لعملية واحدة أم لعدة عمليات؟”. ويضيف: “بالتأكيد الهدف الأساسي هو عدم منع القطاع الخاص، ولكن هذه الاشتراطات تعطي الفرصة للشركات القوية فقط وتتساقط الأخرى، فلا بد من وضوح الرؤية وتناغم السياسات”.
