يُشكّل الجمهور الرياضي، اليوم، أحد أبرز التحولات التي طبعت المشهد الكروي العالمي، خاصة مع ما فرضته المنصات الرقمية من أدوار جديدة أعادت تعريف العلاقة بين المتلقي وصناعة المحتوى الرياضي.
ففي سياق المونديال، لم يعد الجمهور مجرد عنصر حاضر في المدرجات يكتفي بالتشجيع، بل أصبح فاعلا يمتد تأثيره إلى الفضاء الرقمي، حيث يشارك في إنتاج المحتوى وتوجيه النقاشات وصناعة الاهتمام الإعلامي حول مختلف القضايا الكروية.
وفي هذا الإطار، يؤكد سليمان لاوسين، أستاذ في الإعلام الرياضي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الجماهير تمثل “نبض الملاعب واللاعب رقم 12″، لكنها تجاوزت اليوم حدود الدور التقليدي إلى شراكة فعلية في صناعة المحتوى الرياضي، عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تمنحها قدرة على التأثير في ترتيب الأولويات الإعلامية.
من جانبه، يرى حمزة بوزامة، صحفي رياضي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن كأس العالم تظل النموذج الأبرز لهذا التحول، حيث بات الجمهور لا يكتفي بمتابعة الحدث من المدرجات أو عبر الشاشات، بل يساهم في صناعته رقميا من خلال نقل الكواليس والتفاعل المباشر وإنتاج محتوى لحظي يعكس أجواء البطولة، وهو ما جعل الإعلام الرقمي شريكا فعليا، وأحيانا منافسا، للإعلام التقليدي في تغطية أكبر تظاهرة كروية في العالم.
في هذا الصدد، أفاد سليمان لاوسين، أن الجماهير الرياضية تُعد نبض الملاعب والعمود الفقري لأي منافسة رياضية، فهي بمثابة “اللاعب رقم 12” الذي يمنح المباريات روحها الخاصة، حيث لا يقتصر دور المشجعين على متابعة اللقاءات فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى بناء حالة اجتماعية وثقافية قائمة على الانتماء والشغف والتفاعل المستمر مع مختلف الأحداث الرياضية.
شراكة فعلية في صناعة المحتوى الرياضي
وأوضح المتحدث أن التشجيع الرياضي يحمل أبعادا نفسية واجتماعية إيجابية، إذ يساهم في تلبية حاجة الفرد إلى الانتماء وتعزيز شعوره بالارتباط بجماعة تشاركه الاهتمامات نفسها، مشيرا إلى أن هذا الأثر لا يرتبط فقط بلحظات الفوز، بل يمتد أيضا إلى تقبّل الخسارة والتعامل معها ضمن إطار جماعي داعم.
وأشار لاوسين إلى أن جماهير كأس العالم تتميز بخصوصية كبيرة مقارنة بباقي المنافسات، بالنظر إلى تنوعها الثقافي والجغرافي، حيث يجتمع مشجعون من مختلف أنحاء العالم لصناعة أجواء احتفالية عابرة للحدود، تجعل من المدرجات فضاءات تنبض بالحياة وتعكس قيم الشغف والتواصل بين الشعوب.
وأكد أن تفاعل الجماهير يمثل ركيزة أساسية في نجاح المنافسات الرياضية، لما له من تأثير نفسي ووجداني على اللاعبين، من خلال الهتافات والأهازيج وأساليب المؤازرة التي تعزز الروح الجماعية، لافتا إلى أن هذا التفاعل قد يأخذ أشكالا أكثر تنظيما من خلال مجموعات المشجعين المعروفة بثقافة “الألتراس”، التي تعمل على توحيد الهتافات وتنظيم التشجيع وإضفاء طابع حماسي مميز داخل الملاعب.
وأضاف أستاذ الإعلام الرياضي أن التطور التكنولوجي أحدث تحولا كبيرا في دور الجماهير، إذ لم يعد حضورها مرتبطا فقط بالمدرجات والمنشآت الرياضية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الجماهير تتابع
المنافسات، وتحلل المباريات، وتتفاعل مع الاتحادات والأندية واللاعبين، إلى جانب نشر الفيديوهات القصيرة والتعليقات والمحتويات المرتبطة بالأحداث الرياضية.
وأبرز المتحدث أن المشجع الرياضي انتقل من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الشريك الفاعل في صناعة المحتوى الرياضي وتوجيهه، حيث بات يساهم في تحديد المواضيع التي تحظى بالاهتمام الجماهيري، من خلال إنتاج مضامين رقمية تنتشر أحيانا بسرعة تفوق وسائل الإعلام الرياضي التقليدي.
كما أشار إلى أن تصوير الجماهير ليومياتها داخل الملاعب ونقل كواليس المباريات عبر حساباتها الخاصة أصبح يحصد ملايين المشاهدات، كما ظهرت قنوات ومنصات يديرها المشجعون لتحليل النتائج ومناقشة مجريات المنافسات والصفقات، ما أوجد فضاءات واسعة للنقاش الرياضي.
في ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد لاوسين على أن الجماهير اليوم أصبحت تمتلك قدرة متزايدة على صناعة الرأي العام الرياضي وفرض القضايا التي تستحق المتابعة، الأمر الذي يدفع وسائل الإعلام إلى مواكبة التفاعلات الرقمية ومناقشة المواضيع التي تثيرها الجماهير، حفاظا على استمرارية التفاعل ومعدلات المشاهدة.
الجمهور.. من مُتلق للمعلومة إلى شريك في صناعة المحتوى الرياضي
من جانبه، يرى حمزة بوزامة، صحفي رياضي أن الحديث عن الجماهير الرياضية اليوم لم يعد مرتبطا فقط بحضورها في المدرجات أو تشجيعها للمنتخبات والفرق داخل الملاعب، بل أصبح مرتبطا أيضا بحجم تفاعلها عبر الفضاء الرقمي ودورها المتزايد في صناعة المحتوى الرياضي والتأثير في الرأي العام.
وأوضح بوزامة في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن بطولة كأس العالم تمثل أكبر نموذج يجمع بين هذه العناصر، باعتبارها أكبر تظاهرة كروية عالمية تستقطب اهتمام ملايين المشجعين والمتابعين من مختلف دول العالم كل أربع سنوات.
وأشار المتحدث إلى أن الشعبية الكبيرة التي تحظى بها كرة القدم جعلت منها ظاهرة اجتماعية وثقافية وإعلامية واقتصادية، حيث تتحول خلال المواعيد الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، إلى حدث عالمي تتجه إليه أنظار الشعوب، وتبرز فيه قوة الجماهير باعتبارها العنصر الذي يمنح هذه المنافسات روحها وحيويتها، مشيرا إلى أن الجمهور كان دائما يمثل “اللاعب رقم 12” ويمثل مِلح العرس الكروي العالمي، سواء داخل الملاعب أو خارجها.
وأضاف الصحفي الرياضي أن دور الجمهور شهد تحولا جذريا مع التطور التكنولوجي وظهور المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ لم يعد المشجع يكتفي بتلقي الأخبار والمعلومات والصور التي تنقلها وسائل الإعلام التقليدية، بل أصبح بدوره منتجا للمحتوى وفاعلا في صناعة الحدث الرياضي.
وأشار بوزامة إلى أن هذا التحول بدأ يبرز بشكل واضح مع التطور المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي خلال نسخ كأس العالم الحديثة، خاصة منذ مونديال 2010 بجنوب إفريقيا ومونديال 2014 بالبرازيل، حيث بدأت هذه الوسائط الرقمية تفرض حضورها بقوة إلى جانب وسائل الإعلام التقليدية، لتفتح المجال أمام الجماهير لمعايشة الحدث من زوايا مختلفة، وليس فقط من خلال الصورة الرسمية التي تقدمها القنوات التلفزيونية والمؤسسات الإعلامية.
وأكد أن الإعلام التقليدي كان لعقود طويلة الجهة الوحيدة التي تتحكم في نقل تفاصيل البطولات الكبرى، غير أن ظهور الإعلام الرقمي أوجد شريكا جديدا في المشهد الإعلامي، يمكن أن يكمل عمل المؤسسات الإعلامية، وفي بعض الحالات ينافسها، من خلال نقل الكواليس والتفاصيل التي لا تظهر عادة في التغطيات الرسمية، مثل الأجواء المحيطة بالملاعب، وتفاعلات الأنصار، وحياة اللاعبين خارج المباريات، والأحداث التي تقع قبل وبعد الندوات الصحفية.
وأضاف أن قوة المنصات الرقمية تكمن في قربها من الجمهور وسرعة وصولها إليه، حيث أصبح بإمكان أي مشجع يحمل هاتفا ذكيا أن يكون حاضرا في قلب الحدث، وأن ينقل تجربته ومشاهداته إلى ملايين المتابعين في مختلف أنحاء العالم، وهو ما جعل العلاقة بين صانع المحتوى والجمهور علاقة أكثر قربا، لأن الكثير من صناع المحتوى هم في الأصل مشجعون يتحدثون بلغة الأنصار وينقلون انشغالاتهم ومشاعرهم.
وأبرز بوزامة أن هذا الواقع الجديد فرض على وسائل الإعلام التقليدية ضرورة مراجعة أساليب عملها والتكيف مع التحولات الرقمية، لأن المنافسة لم تعد قائمة فقط على نقل المعلومة، بل أصبحت مرتبطة بسرعة الوصول إليها، وطريقة تقديمها، والقدرة على خلق تفاعل مباشر مع المتابعين، لافتا إلى أن المنصات الرقمية استطاعت استغلال عدة عوامل ساعدتها على الانتشار، من بينها سهولة الاستخدام، وتوفرها عبر الهواتف والأجهزة الذكية، وإمكانية التفاعل الفوري مع المحتوى.
وفي المقابل، نبه المتحدث إلى أن الانتشار الواسع للمحتوى الرقمي يفرض تحديات كبيرة، خاصة أن بعض المستخدمين لا يمتلكون التكوين الإعلامي اللازم ولا يدركون في بعض الأحيان حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه المعلومات غير الدقيقة أو المضامين المضللة على الجماهير والرأي العام، وهو ما يستدعي تعزيز الوعي الإعلامي وتكوين كفاءات قادرة على التعامل مع هذه الوسائط الجديدة بطريقة احترافية ومسؤولة.
وشدد بوزامة على ضرورة تبني رؤية استشرافية واستباقية في التعامل مع هذا التحول، خاصة في الجزائر التي تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وشغفا كبيرا بكرة القدم، وذلك من خلال الاستثمار في تكوين صنّاع محتوى محترفين قادرين على تقديم محتوى رياضي مسؤول، وتوجيه الجماهير نحو التفاعل الإيجابي، بدل ترك المجال أمام المعلومات غير الموثوقة أو الخطابات التي قد تضر بالمصلحة الرياضية والوطنية.
وأشار الصحفي الرياضي إلى أن التجارب السابقة، خاصة خلال مشاركات المنتخب الجزائري في كأس العالم 2010 و2014، أظهرت كيف ساهمت المنصات الرقمية في نقل أجواء الجماهير وتقريب المشجعين من تفاصيل الحدث، حيث أصبحت وسيلة تسمح للجمهور الذي لم يتمكن من الحضور إلى الملاعب بمعايشة الأجواء والاطلاع على الكواليس، وهو ما عزز شعور الانتماء والمشاركة في الحدث.
خِتاماً، أكد بوزامة على أن أكبر تحول شهدته المنظومة الإعلامية الرياضية يتمثل في انتقال الجمهور من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة المعلومة والمحتوى الرياضي، وهو تحوّلٌ يحمل في طياته فرصا كبيرة لتطوير المشهد الإعلامي إذا ما تم استغلاله بالشكل الصحيح.
