في مفارقة تعكس تعقيدات سوق الصرف المصري، يرى بنك غولدمان ساكس أن الجنيه أقل من قيمته العادلة بنسبة تتجاوز 30%، ورغم ذلك، قام البنك بتعديل توقعاته لتعكس مزيدًا من التراجع للعملة المحلية أمام الدولار مقارنة بتقديراته السابقة.
ورغم رفع توقعاته لسعر الدولار، لا يزال البنك يوصي بالاستثمار في العملة المصرية، مراهنًا على جاذبيتها التي تدعمها أسعار الفائدة المرتفعة، مع توقعات بتعافيها لاحقًا بمجرد انحسار التوترات الجيوسياسية وتحسن تدفقات النقد الأجنبي، وهو ما أثار جدلًا بين الخبراء خاصة مع خروج بعض الاستثمارات الأجنبية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بينما ربط آخرون تحسن الجنيه بهدوء الأوضاع الإقليمية وتراجع أسعار النفط.
إستراتيجية العائد المزدوج وجاذبية السندات
أوضح الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن توصية غولدمان ساكس تفتح الباب أمام المستثمر الأجنبي لتحقيق “عائد مزدوج”، حيث يمكنه الاستفادة من الفائدة المرتفعة بالتزامن مع تحسن سعر الصرف، وذلك من خلال شراء أدوات الدين المصرية المقومة بالجنيه والاستمرار فيها لمدة عام، ثم إعادة تحويل الأموال إلى الدولار وفق المستويات التي توقعها البنك.
وأشار نافع إلى أن هذه الآلية تتيح مكاسب من مصدرين، الأول هو العائد المرتفع على أذون وسندات الخزانة، والثاني يتمثل في فروق أسعار الصرف في حال ارتفاع قيمة الجنيه، مؤكدًا أن هذه الفرصة تظل قائمة ما دامت أدوات الدين المصرية جاذبة، مع التنبيه بأن تحقيق هذه الأرباح مشروط بدقة توقعات سعر الصرف، لأن أي تراجع إضافي للجنيه قد يلتهم جزءًا من العوائد المحققة.
تحديثات توقعات سعر صرف الدولار
قام بنك غولدمان ساكس بتعديل مستهدفته لسعر الدولار مقابل الجنيه بزيادة قدرها 4 جنيهات في جميع الفترات الزمنية، وذلك وفقًا للجدول التالي:
| الفترة الزمنية | التوقع الجديد | التوقع السابق | مقدار التعديل |
|---|---|---|---|
| خلال 3 أشهر | 53 جنيهًا | 49 جنيهًا | +4 جنيهات |
| خلال 6 أشهر | 52 جنيهًا | 48 جنيهًا | +4 جنيهات |
| خلال عام | 50 جنيهًا | 46 جنيهًا | +4 جنيهات |
وأكد البنك أن هذه التعديلات لا تعني التخلي عن نظرته الإيجابية طويلة الأمد للجنيه، بل هي استجابة لتحركات سوق الصرف الأخيرة وتأثيرات التوترات الإقليمية وأسعار النفط، مع استمرار نصيحته بشراء الجنيه للربح من العوائد المرتفعة، مع ضرورة التحوط من المخاطر الجيوسياسية عبر عقود مبادلة مخاطر الائتمان لأجل خمس سنوات.
لماذا يُصنف الجنيه كعملة مقومة بأقل من قيمتها؟
يستند غولدمان ساكس في رؤيته إلى نموذج تقييم خاص يظهر أن الجنيه من أكثر العملات انخفاضًا عن قيمتها العادلة في الأسواق التي يراقبها، إلا أن هذه النسبة لا تعني بالضرورة تراجع الدولار تلقائيًا بنسبة 30%، لأن السعر الفعلي يخضع لقوى العرض والطلب وتدفقات النقد الأجنبي والمخاطر الاقتصادية الراهنة.
ويرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن استعادة الجنيه لجزء من قيمته مرهونة بانتهاء الصراعات الإقليمية وتراجع تكلفة استيراد الطاقة، مشيرًا إلى أن وصول الدولار لنطاق 48-49 جنيهًا هو سيناريو محتمل في حال تحسن الظروف، وهو ما يتقاطع مع رؤية غولدمان ساكس بشأن دور النفط والتوترات السياسية في رسم اتجاه العملة.
محركات السوق وشهية المستثمرين
من جانبه، اعتبر الخبير المصرفي محمد عبد العال أن قرار البنك المركزي برفع الفائدة قد عزز من جاذبية أدوات الدين المحلية، مما دفع المستثمرين الأجانب للتحول من البيع إلى الشراء، وهو ما زاد من المعروض الدولاري في سوق “الإنتربنك” ودعم تعافي الجنيه، متوقعًا وصول الدولار لنطاق 50-52 جنيهًا حال استقرار الأوضاع.
وفي سياق متصل، ربط محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، بين تراجع الدولار وتحسن شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة، مؤكدًا أن زيادة المشتريات من الأصول المصرية رفعت المعروض من العملة الصعبة، رغم تقديرات غولدمان ساكس بتراجع حيازات الأجانب من أدوات الدين إلى نحو 20 مليار دولار مقابل 30 مليار دولار في سبتمبر/أيلول الماضي.
وفي مقابل هذه التوقعات، دعا الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إلى توخي الحذر في التعامل مع توصيات المؤسسات المالية الكبرى، مشيرًا إلى أن هذه الرؤى قد تكون مرتبطة بمراكز استثمارية تهدف لتحقيق ربح من تحركات العملة، وذلك في تعليق سابق له يعكس ضرورة التحليل النقدي لتوصيات البنوك العالمية.
مؤشرات النقد الأجنبي ومستقبل الصرف
تأتي هذه التوقعات في وقت سجل فيه احتياطي النقد الأجنبي المصري ارتفاعًا ليصل إلى 57.5 مليار دولار بنهاية أكتوبر/تشرين الأول 2026، مع رصد عودة للمشتريات العربية والأجنبية في سوق أدوات الدين الحكومية خلال مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، بعد موجة من التخارجات في الشهر السابق.
ويمكن تلخيص العوامل المؤثرة على استقرار الجنيه في النقاط التالية:
- استمرار تدفقات المحافظ الأجنبية مدفوعة بالفائدة المرتفعة.
- تراجع الضغوط على فاتورة واردات الطاقة بفضل انخفاض أسعار النفط.
- استقرار مصادر النقد الأجنبي وتعزيز ثقة المستثمرين في احتواء التصعيد الإقليمي.
- السيطرة على مخاطر التضخم والتوترات الجيوسياسية الخارجية.
