لم تعد أزمة ارتفاع أسعار الغذاء في مصر مجرد نتيجة مباشرة لتقلبات سعر صرف الدولار أو زيادة تكاليف الاستيراد، بل أصبحت مرآة تعكس اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد وسلاسل التوريد، حيث أدى الاعتماد المفرط على مستلزمات الإنتاج الخارجية وضعف التنافسية في بعض القطاعات إلى جعل المستهلك النهائي الطرف الأكثر تضررًا من هذه الموجة، وبينما تستمر الجهود الرقابية لمحاصرة غلاء الأسعار، يبرز تساؤل جوهري حول مدى كفاية الرقابة وحدها، وما إذا كانت المواجهة الحقيقية تتطلب إصلاحات جذرية تبدأ بتقليل الاعتماد على الخارج، وتعزيز الإنتاج المحلي، ومكافحة الاحتكارات لضمان منافسة عادلة في الأسواق.
تأثير المكون الدولاري على تكاليف الإنتاج
في هذا الصدد، أوضحت الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، أن ارتفاع “المكون الدولاري” في تكاليف التصنيع يعد محركًا أساسيًا لموجات الغلاء الحالية، مؤكدة أن تأثير سعر الصرف لا يتوقف عند السلع المستوردة النهائية، بل يمتد ليشمل المنتجات المحلية التي تعتمد في صناعتها على خامات ومواد أولية مستوردة، وهو ما يرفع التكلفة النهائية للمنتج المحلي.
| السلعة / القطاع | مكمن الاعتماد على الاستيراد | تأثير سعر الصرف |
|---|---|---|
| الزيوت النباتية | استيراد نحو 90% من الاحتياجات | ارتفاع حاد ومباشر في الأسعار |
| القمح | الاعتماد الكبير على الاستيراد لتلبية الاستهلاك | تذبذب في تكلفة توفير الرغيف والسلع المشتقة |
| قطاع الدواجن | استيراد الأعلاف والكتاكيت | زيادة تكلفة الإنتاج وارتفاع سعر البيع للمستهلك |
ضغوط العرض والطلب وتآكل القوة الشرائية
وأشارت الدكتورة الحماقي إلى أن ارتفاع الدولار يخلق ضغطًا مزدوجًا على طرفي العملية الاقتصادية، فمن جانب العرض، يواجه المنتجون زيادة مطردة في تكاليف التشغيل وصعوبة في تدبير المستلزمات الأساسية، ومن جانب الطلب، يصطدم المستهلك بزيادة الأسعار في وقت تراجعت فيه قدرته الشرائية وانخفضت القيمة الحقيقية لدخله، مما يؤدي إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
استقرار الجنيه والحلول الهيكلية للتضخم
وشددت البروفيسورة يمن الحماقي على أن تحقيق استقرار ملموس في قيمة الجنيه أمام الدولار يمثل ضرورة قصوى لتقليل الضغوط التضخمية، لافتة إلى أن دور البنك المركزي يتركز في التعامل مع المؤشرات والنتائج النقدية، بينما تكمن المعالجة الجذرية للأسباب في استقرار الأوضاع الاقتصادية العامة، وزيادة معدلات الإنتاج المحلي، وتقليص الفجوة الاستيرادية للمكونات الأساسية.
فعالية الرقابة في مواجهة الاحتكار
وبشأن ضبط الأسواق، أكدت الحماقي أن المسؤولية لا تقع على عاتق وزارة التموين بمفردها، بل ترتبط بكفاءة المنظومة الاقتصادية ككل، موضحة أن مجرد وجود قانون لحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية أو وجود جهاز رقابي لا يكفي لتحقيق الهدف، ما لم تكن هناك إرادة وقدرة فعلية على تنفيذ هذه القوانين ومواجهة المحتكرين لتعزيز التنافسية الحقيقية.
مخاطر التسعير الجبري وبدائل الأسقف السعرية
وفيما يتعلق بآليات التسعير، حذرت د. يمن الحماقي من اللجوء إلى التسعير الجبري واصفة إياه بـ “المصيبة” التي قد تؤدي إلى اختلالات خطيرة في توازن العرض والطلب، واقترحت بدلاً من ذلك الاستفادة من تجارب دولية ناجحة، مثل تجربة دولة الإمارات في وضع “سقوف سعرية” لبعض السلع الغذائية الأساسية، وهو نظام يساهم في كبح الزيادات العشوائية دون تدمير آليات السوق.
استراتيجيات تقليل حلقات التداول
وأثنت الدكتورة الحماقي على توجه وزارة التموين نحو التوسع في المنافذ السلعية والتعامل المباشر مع كبار تجار الجملة، وذلك بهدف إلغاء حلقات الوساطة المتعددة التي ترفع السعر النهائي، كما دعت إلى ضرورة المتابعة الدقيقة لنتائج تجربة “كاري أون” لتقييم مدى نجاحها في توفير السلع بأسعار تنافسية للمواطن، مؤكدة في ختام حديثها أن استقرار الأسعار يتطلب منظومة متكاملة تشمل:
- معالجة الاختلالات الاقتصادية لخفض تكاليف الإنتاج.
- تفعيل قوانين المنافسة والحد من الممارسات الاحتكارية.
- تطوير آليات تداول السلع لضمان وصولها للمستهلك بأقل تكلفة.
- دعم الإنتاج المحلي لتقليل الارتباط بتقلبات العملات الأجنبية.
