تعرضت أسعار الذهب العالمية لضغوط قوية خلال تعاملات اليوم، لتتراجع دون مستوى 4000 دولار للأوقية للمرة الأولى منذ نوفمبر الماضي، في تطور يعكس تصاعد الضغوط التي تواجه المعدن النفيس نتيجة قوة الدولار الأميركي وتشدد التوقعات بشأن السياسة النقدية الأميركية.
وهبط الذهب بنحو 3% خلال التداولات، مع استمرار صعود العملة الأميركية، الأمر الذي رفع تكلفة شراء المعدن المقوم بالدولار بالنسبة للمستثمرين وحائزي العملات الأخرى، ما انعكس سلبًا على الطلب العالمي ودفع الأسعار إلى مزيد من التراجع.
ما وراء الهبوط؟
تزامن تراجع الذهب مع تنامي حالة العزوف عن المخاطرة في الأسواق العالمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، وهو ما عزز التوقعات بإبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة عند مستوياتها المرتفعة لفترة أطول، أو حتى اللجوء إلى مزيد من التشديد النقدي إذا اقتضت الضرورة.
وتشكل أسعار الفائدة المرتفعة تحديًا مباشرًا للذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا، إذ تزيد جاذبية الأدوات الاستثمارية المنافسة مثل السندات الأميركية وأدوات الدخل الثابت، ما يدفع المستثمرين إلى إعادة توجيه أموالهم بعيدًا عن المعدن النفيس.
وكان الذهب قد بلغ مستوى تاريخيًا غير مسبوق عند 5589.38 دولار للأوقية في أواخر يناير الماضي، إلا أن موجة التصحيح الحالية دفعت الأسعار إلى التخلي عن أكثر من 28% من قيمتها مقارنة بتلك القمة القياسية.
البنوك العالمية تخفض توقعاتها
ومع استمرار الضغوط على السوق، بدأت المؤسسات المالية الكبرى في مراجعة توقعاتها لأسعار الذهب خلال عام 2026.
فقد خفضت مجموعة “ماكواري” تقديراتها لأسعار الذهب خلال الربعين الثالث والرابع من العام إلى 4450 دولارًا و4300 دولار للأوقية على التوالي، في إشارة إلى توقعات أكثر تحفظًا بشأن أداء المعدن النفيس خلال الفترة المقبلة.
كما خفض “غولدمان ساكس” توقعاته لسعر الذهب بنهاية العام بمقدار 500 دولار دفعة واحدة، ليصل السعر المستهدف إلى 4900 دولار للأوقية، مبررًا ذلك بتراجع احتمالات خفض أسعار الفائدة الأميركية خلال الأشهر المقبلة.
ورغم احتفاظ البنك بنظرة إيجابية نسبيًا تجاه الذهب على المدى المتوسط، فإنه حذر من مخاطر هبوطية قصيرة الأجل قد تدفع الأسعار إلى حدود 4400 دولار للأوقية إذا تبنى الاحتياطي الفيدرالي سياسة أكثر تشددًا من المتوقع.
بدوره، خفض “دويتشه بنك” توقعاته أيضًا، مرجحًا وصول الذهب إلى 4300 دولار خلال الربع الثالث و4800 دولار في الربع الرابع، بما يعكس تحولًا واضحًا في نظرة المؤسسات المالية العالمية تجاه أداء المعدن الأصفر.
مجلس الذهب العالمي يحذر
وفي السياق ذاته، أبدى مجلس الذهب العالمي مخاوفه من استمرار الضغوط الناجمة عن السياسة النقدية الأميركية المتشددة وارتفاع العوائد الحقيقية على السندات، مؤكدًا أن هذه العوامل تمثل حاليًا أبرز التحديات أمام أسعار الذهب.
وأشار جوزيف كافاتوني، المحلل الاستراتيجي للأسواق بالمجلس، إلى أن المستثمرين باتوا يفضلون الاحتفاظ بالسيولة النقدية أو السندات ذات العائد المرتفع، بدلًا من زيادة استثماراتهم في الذهب خلال المرحلة الحالية.
البنوك المركزية.. طوق النجاة الأخير
ورغم الصورة السلبية التي تهيمن على السوق، لا تزال مشتريات البنوك المركزية تمثل عامل الدعم الأبرز لأسعار الذهب، حيث تتفق غالبية المؤسسات المالية على أن الطلب الرسمي من البنوك المركزية العالمية يظل الركيزة الأساسية التي تمنع حدوث تراجعات أكثر حدة في سوق المعدن النفيس.
وفي ظل استمرار الضبابية بشأن مسار الفائدة الأميركية وقوة الدولار، تظل تحركات البنوك المركزية العامل الأكثر أهمية في تحديد اتجاه الذهب خلال النصف الثاني من عام 2026.
