“نصر زائف”.. صحيفة إسبانية: اتفاق ترامب مع إيران يفتح باب صراعات أشد عنفاً

“نصر زائف”.. صحيفة إسبانية: اتفاق ترامب مع إيران يفتح باب صراعات أشد عنفاً

تتزايد
التحليلات الدولية التي ترى أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، رغم تقديمه
كخطوة لخفض التصعيد في الشرق الأوسط، لا يمثل تسوية نهائية بقدر ما يعكس هدنة
مؤقتة هشة.

نشرت صحيفة
“إل موندو” الإسبانية تقريراً يرى أن مذكرة التفاهم (أو اتفاق وقف إطلاق
النار) التي وقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران تمثل تراجعًا أمريكيًّا
وفشلًا دبلوماسيًّا جرى تغليفه في ثوب “النصر الزائف”، وهو ما يترك
قضايا الشرق الأوسط الجوهرية معلقة ومشرعة على جولات صراع قادمة أكثر عنفاً، في ظل
غياب أوروبي تام وعجز غربي يُلزم أوروبا بإعادة تقييم طبيعة تحالفها مع واشنطن.

وقالت الصحيفة
في تقريرها، الذي ترجمته “عربي 21″، إن مشهد التوقيع الاستعراضي لترامب
في فرساي على مذكرة التفاهم مع إيران، بات يمثل فصلًا جديدًا في أرشيفه الخاص
بـ”فن الصفقات”. وعقب الانتهاء من هذا الإجراء البروتوكولي وتأجيل
اجتماع الأمس دون سقف زمني، فتحت الباب على مصراعيها للتكهنات حول طبيعة المحادثات
والمهلة المحددة بستين يوماً للتفاوض على المقررات؛ وهي بنود تمنح طهران مكاسب
مجانية مسبقة، وتلقي بظلالها على ماضي هذه المواجهة ومستقبلها.

ولفتت الصحيفة
إلى أنه بعد أشهر من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، وتحت وطأة خطاب حركة
“ماجا” الذي نادى بتغيير النظام والامتثال للاستسلام غير المشروط،
والتبجح بمحو حضارة بأكملها؛ وفي خلفية يملؤها العداء الشديد للاتفاق النووي لعام
2015 الذي انسحبت منه واشنطن عام 2018 خلال ولاية ترامب الأولى؛ نواجه اليوم نصًّا
قصيرًا ومبهمًا إلى أبعد حد، تبرز من خلاله الحقيقة السياسية التي يحاولون إخفاءها
بين السطور.

اظهار أخبار متعلقة

وينبني
الاتفاق على ثلاثة محاور: وقف الأعمال العدائية، ومضيق هرمز، والبرنامج النووي
الإيراني، وهو ما يبدو كثيرًا وقليلًا في آن واحد؛ فهو كثير لأنه يوقف القتال
ويعيد الأكسجين للنظام الدولي والمنظومة البيئية للخليج التي شارفت على الاختناق
الاستراتيجي، وقليل لأن قضايا جوهرية بقيت خارج الإطار، كالقوات التقليدية
والفصائل التابعة لطهران والأساسية في التوازن الإقليمي. وفيما تطرح واشنطن
التسوية كأساس للسلام، تراها طهران فرصة لكسب الوقت والاعتراف، بينما يركز الوسطاء
على وقف الدماء وتنظر إسرائيل إليها بريبة، مظهرةً فجوة ضخمة بين الضجة الإعلامية
والأسئلة العالقة التي غالباً ما تعود للشرق الأوسط بصورة أكثر تعقيداً.

ويبرز مضيق
هرمز محوريًّا كشريان للتجارة والطاقة؛ ورغم تصوير إعادة فتحه كعودة للوضع
الطبيعي، إلا أن ربطه بترتيبات تقنية تمنح إيران قدرة التحكم بالمرور، يخفي ميزة
تحول الملاحة الدولية إلى أداة مساومة متكررة عبر رسوم وإجراءات بيروقراطية تحد من
حرية البحار، ضاربةً أسس العولمة التي قامت على منع ابتزاز الممرات المائية؛ فمنح
إيران هذا الدور الإداري ليس عودة للماضي بل طعنة في خطوط الملاحة الحيوية.

وعلى الصعيد
الذاتي، لا يبعث الملف النووي على الحماس، فالتزام إيران اللفظي لا يحل المشكلة
لكونها موقعة على معاهدة حظر الانتشار، والمذكرة لم تبت في المسائل الجوهرية
كأجهزة الطرد المركزي والمخزون المتراكم والتفتيش ومصير منشآت اليورانيوم؛ مما
يجعل البهلوانية الأمريكية التي ادعت سابقاً أن هذه المواد تبرر الحرب وتصفها الآن
بـ”الثانوية” أمرًا مستعصيًا على التفسير.

وبعد تفجير
الاتفاق السابق؛ يتباهى ترامب اليوم بتسوية ملفقة لتبقى الاتفاقات الجوهرية رهن
مساومات ثنائية لا تلزم طهران بالتراجع عن طموحها النووي، بينما تقيد واشنطن بمنطق
الحفاظ على إنجازها المزعوم، في جدول زمني يمنح إيران مسبقاً الإعفاءات النفطية
وتسييل الأصول ورفع العقوبات قبل حسم الملفات الشائكة.

وتترك التسوية
النظام الإقليمي الإيراني في منطقة رمادية، فالحديث عن الاستقرار دون تحييد أذرع
طهران كحماس وحزب الله والحوثيين هو محض أمنيات؛ حيث يمتد نفوذ “آية
الله” عبر هذه الفصائل المسلحة لتهديد ساحتي لبنان وفلسطين والمناورة بها،
وبقاء هذا المشهد غامضاً يجعل الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة لا بنية سلام.

اظهار أخبار متعلقة

وفي هذا
المعمعة؛ تبدو إسرائيل “الغائب الحاضر” التي لم توقع ولن تسلم من
التداعيات، ولن يزيل الضغط الأمريكي على نتنياهو لكبح هجماته في لبنان قلق
الإسرائيليين من التهديد الوجودي الإيراني بمسيراته وصواريخه. ورغم أن المواجهتين
الأخيرتين في حزيران / يونيو وشباط / وفبراير أكدتا تفوق إسرائيل العسكري بقدرتها
على ضرب دفاعات النظام، إلا أنهما كشفتا عجزها عن تغيير المحيط الاستراتيجي
بمفردها؛ وهي حقيقة دفعت دول الخليج لإدراك أن الأمن الإقليمي لم يعد يدار
بتراتبيات بسيطة، فمنهم من سيرى إسرائيل شريكاً تكنولوجياً وعسكرياً للمستقبل
ومنهم من سيحافظ على مسافته.

وترى الصحيفة
أن الشعب الإيراني هو الخاسر الأكبر، بينما يخرج النظام أكثر قوة مع صعود جيل جديد
من القادة المتخصصين في الصواريخ والمسيرات والحرب التكنولوجية وإدارة المواجهات
الإقليمية، والعارفين بنقاط الضعف الأمريكية. وهؤلاء هم من يصفهم ترامب
بـ”العقلانيين والأذكياء” لنجاحهم في ضمان بقاء النظام عبر سياسات
راديكالية فرضت تراجعاً على “الشيطان الأكبر”.

كما تعكس
قائمة الوسطاء ملامح المرحلة؛ إذ تبرز باكستان بدعم من علاقاتها مع الصين، فيما
تواصل سلطنة عمان دورها الدبلوماسي الهادئ، وتؤكد قطر مكانتها كوسيط لا غنى عنه.
ويستند هذا الدور إلى اعتماد منشآت “رأس لفان” على “حقل
الشمال” المشترك مع إيران، ما يجعل مبدأ “عدم الاعتداء” ضرورة
اقتصادية لحماية البنية التحتية الخليجية.

وتضيف الصحيفة
أن دول الخليج تبنت مقاربة براغماتية تقوم على التعايش مع إيران، القادرة على
تهديد استثمارات التحديث والسياحة والذكاء الاصطناعي، خاصة مع تراجع الاعتماد على
الضمانة الأمنية الأمريكية، ما يجعل الترتيبات المباشرة معها ضرورة في بيئة
إقليمية غير مستقرة.

وفي المقابل،
يبرز غياب أوروبا بشكل لافت؛ إذ يُعاد تشكيل المنطقة بعيداً عن بروكسل وباريس
وبرلين وروما، رغم ارتباط الملفات المطروحة بمصالحها في الطاقة والملاحة وأمن
إسرائيل، نتيجة افتقارها إلى الوحدة والأدوات والاستعداد لتحمل الكلفة
الاستراتيجية.

وترى الصحيفة
أن ترامب اضطلع بدور طغت عليه الاعتبارات الاستعراضية والشخصية، إذ تزامن الإعلان
عن الاتفاق مع عيد ميلاده، فيما أتاح اختلاف التوقيتات لكل طرف تقديم روايته
الخاصة للأحداث. وتعتبر أن التحول من خطاب التهديد وتغيير النظام إلى مفردات تتحدث
عن عدم التدخل واحترام السيادة والإشادة بالقيادة الإيرانية، يعكس تراجعاً في صورة
القوة الأمريكية ويعمق أزمة الثقة بها، لا سيما مع محاولة تقديم هذه التطورات
بوصفها إنجازاً تاريخياً رغم استمرار التشكيك الدولي.

وخلصت الصحيفة
إلى أن دائرة الفشل تتجاوز المنطقة لتهدد الغرب بأكمله؛ فتقديم العودة المشكوك
فيها للوضع السابق كمعجزة، والاحتفال بوقف حرب عجزت واشنطن عن إدارتها، سيكبد
الغرب فاتورة باهظة. ومع ذلك، لا يمكن لأوروبا الاستغناء عن الرابط الأطلسي، بل هي
مطالبة بالتخلي عن التبعية العمياء لواشنطن. فبين الهزل والمأساة، تؤكد اتفاقية
فرساي حقيقة مزعجة: “عندما تقنّع واشنطن الفشل برداء النصر، لا يتحرر الغرب
من الولايات المتحدة، بل يصبح ملزماً بأن يفكر، بمزيد من الوضوح، في أي أطلسية
يمكن الحفاظ عليها في هذا العالم المفكك”.