الوقائع الإخباري ـ تجاوز سعر الدولار الأميركي في مصر، الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول، حاجز 56 جنيهًا للمرة الأولى في تاريخه، في تطور يعكس اشتداد الضغوط على العملة المحلية، وسط تداخل عوامل اقتصادية داخلية وتوترات جيوسياسية إقليمية وعالمية.
أكد الدكتور سعيد عبد العزيز عثمان، عميد كلية التجارة السابق بجامعة الإسكندرية ومحافظ الشرقية الأسبق، أن تحركات سعر صرف الدولار مقابل الجنيه ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتطورات الجيوسياسية والعوامل الاقتصادية المركبة، التي تنعكس على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
وأشار عثمان في تصريحات خاصة لموقع «الغد» إلى أن ارتفاع الدولار يرتبط بشكل رئيسي بحالة عدم الاستقرار المتصاعدة في المنطقة، خاصة التوترات القائمة في اليمن ودول الخليج، إلى جانب تصريحات تسببت في زيادة المخاوف لدى المستثمرين، ما زاد من حالة عدم اليقين في الأسواق.
خروج الأموال الساخنة يضغط على الجنيه
أوضح عثمان أن الضغوط على العملة المصرية ازدادت بسبب خروج نحو 1.8 مليار دولار من رؤوس الأموال الساخنة خلال ثلاثة أيام فقط، ما زاد من تحديات سوق الصرف. وأوضح أن البنك المركزي المصري يعتمد سياسة مرونة سعر الصرف، التي تسمح بتحديد السعر حسب ما يمليه العرض والطلب، مؤكدًا أن توتر الأوضاع الإقليمية وتكرار التهديدات الأميركية بشن ضربات عسكرية ضد إيران، في مقدمة العوامل المؤثرة على تحركات الدولار.
عجز الموازنة والاقتراض يزيدان المخاطر
حذر عثمان من أن استمرار ارتفاع سعر الدولار، بالتزامن مع اتساع عجز الموازنة، سيفاقم الضغوط المالية على الدولة بشكل واضح، لاسيما مع تقدير سعر الصرف عند 75 جنيهًا للدولار ضمن موازنة العام الجاري. وأشار إلى أن الفجوة بين الإيرادات والنفقات قد تدفع الحكومة إلى رفع حجم الاقتراض لتغطية الالتزامات، خاصة أن أقساط الديون وفوائدها تستهلك، بحسب تقديراته، نحو 140% من إجمالي الإيرادات العامة، مما يعكس حجم الضغوط المالية الكبيرة.
وأضاف أن تفاقم العجز المالي يرفع من أعباء الدولة ويقلص قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية، ما قد يؤثر سلبًا على سعر الصرف ويزيد من صعوبة السيطرة على ضغوط الجنيه المصري.
ارتفاع أسعار النفط يضاعف الطلب على الدولار
لفت عثمان إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا يشكل تهديدًا لزيادة فاتورة واردات مصر من الخام والمشتقات النفطية، حتى مع ثبات الكميات المستوردة، مشيرًا إلى أن زيادة قيمة الواردات قد توّسع عجز الميزان التجاري وتخلق طلبًا إضافيًا على الدولار لتغطية التكاليف، ما يدفع سعر صرف الدولار إلى مستويات مرتفعة في السوق المحلية.
وحذر من أن استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط المحتمل يبقيان الضغوط مستمرة على الجنيه ويزيدان من الاحتمالات لتسجيل الدولار مزيدًا من الارتفاعات.
تحذيرات من تأثير التصريحات الرسمية
دعا عثمان الحكومة إلى توخي الدقة والحذر في إصدار التصريحات الرسمية، مشيرًا إلى أن أسواق المال وحركات رؤوس الأموال الساخنة تتأثر بسرعة بالإشارات السياسية والاقتصادية، حيث يمكن لتصريحات المسؤولين تعديل توجهات المستثمرين، مستشهدًا بتأثير منشورات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب على الأسواق العالمية والتقلبات التي أحدثتها.
وبخصوص توقعات انخفاض الدولار إلى مستويات 45 أو 48 أو 50 جنيهًا في المستقبل القريب، استبعد عثمان حدوث ذلك في ظل استمرار التعقيدات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة.
ارتفاع الدولار يهدد أسعار السلع الأساسية
حذر عثمان من التداعيات السلبية التي قد يسببها ارتفاع الدولار على المستويات المعيشية، موضحًا أن الارتفاع في سعر الصرف ينعكس مباشرة على تكاليف الاستيراد وأسعار السلع، وبخاصة المواد الغذائية الأساسية، ما يزيد الأعباء المالية على المواطنين. وشدد على أهمية التعامل بحذر مع تحركات سعر الصرف، للحد من التقلبات الحادة والحفاظ على استقرار الأسواق والأسعار.
وفي ختام تصريحه، تطرق إلى الفارق بين تعويم العملة ومرونة سعر الصرف، مؤكدًا أن التعويم غير مفضل بينما المرونة ضرورية، مشددًا على ضرورة إدارة سياسة المرونة بحكمة لتجنب الانفلات في الأسعار وتفاقم الضغوط الاقتصادية.
