إن تبني سياسة سعر صرف مرن لا يعني ترك العملة المحلية تواجه ضغوط السوق دون تدخل، بل تلجأ بعض البنوك المركزية العالمية إلى استخدام احتياطيات النقد الأجنبي وتوفير السيولة، بالإضافة إلى تحريك أسعار الفائدة وتوسيع أدوات التمويل، عندما تتحول تقلبات سعر الصرف إلى تهديد حقيقي للاستقرار المالي والاقتصادي.
التجارب الدولية وأدوات التدخل
تشير تجارب تشيلي وكندا والولايات المتحدة، إلى جانب دراسات صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية، إلى أن التدخل المباشر في سوق الصرف ليس دائمًا الخيار الأول أو المستمر لمواجهة تراجع قيمة العملة، بل يُستخدم في ظروف محددة، مثل نقص السيولة، التقلبات الحادة، وتهديدات انتقال ضغوط العملة إلى القطاع المصرفي والشركات.
كما تؤكد هذه التجارب أن نجاح التدخل يتأثر ليس فقط بحجم الأموال المستخدمة، بل أيضًا بمصداقية البنك المركزي، وضوح أهدافه، وتكامل إجراءات التدخل مع السياسة النقدية والمالية.
تجربة تشيلي
أوضح صندوق النقد الدولي أن البنك المركزي التشيلي تدخل بشكل استثنائي لدعم البيزو خلال اضطرابات الأسواق في أواخر 2019، نتيجة الاحتجاجات السياسية التي أدت إلى زيادة تقلبات سعر الصرف، وهروب المستثمرين من الأصول المقومة بالعملة المحلية إلى الدولار، وارتفاع تكلفة التمويل الدولاري.
شملت الإجراءات توفير السيولة الدولارية والمحلية من خلال مبادلات العملات واتفاقيات إعادة الشراء، إضافة إلى إعادة شراء الأوراق المالية الصادرة عن البنك المركزي، ثم التدخل المباشر في سوق الصرف الفوري والآجل، بحد أقصى 10 مليارات دولار لكل سوق.
ساهم الإعلان عن هذه التدخلات في استعادة ثقة المستثمرين واستقرار الأسواق، وعكس البيزو جزءًا كبيرًا من خسائره، فيما ساعد توفير السيولة في تقليل ضغوط التمويل وعودة التداولات إلى طبيعتها.
أشار الصندوق إلى أن إعلان البنك المركزي عن استعداده للتدخل وحجم البرنامج كان له دور كبير في تهدئة الأسواق، مما قلل الحاجة إلى تنفيذ التدخل لمدى كامل المبالغ المستهدفة.
ومع تجدد الضغوط في ظل جائحة كورونا عام 2020، استمر البنك في تمديد أدوات السيولة ومبادلات العملات، وخفض أسعار الفائدة، وإطلاق برامج تمويل طويلة الأجل مرتبطة بتوسيع الإقراض، إضافة إلى شراء سندات مصرفية، دون معاودة التدخل المباشر في سوق الصرف الفوري.
تظهر تجربة تشيلي أهمية المزج بين التدخل في سوق الصرف وأدوات توفير السيولة والتمويل، مع الاستفادة من مصداقية البنك المركزي والإعلان الواضح عن خططه لتهدئة الأسواق، مما يقلل الحاجة إلى تدخلات واسعة النطاق.
التجربة الأمريكية
يستطيع الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة الأمريكية التدخل في سوق الصرف عند الضرورة لمواجهة الاضطرابات الحادة، سواء للحد من التقلبات المفرطة في أسعار العملات أو لتوضيح أن سعر الصرف لا يعكس الأساسيات الاقتصادية.
تعتمد آلية التدخل على الهدف من العملية؛ فإذا كان الهدف دعم الدولار، يشتري الاحتياطي الفيدرالي العملة الأمريكية ويبيع العملات الأجنبية، أما عند الرغبة في خفض قيمته، فيبيع الدولار ويشتري العملة الأخرى.
يتم تنفيذ هذه العمليات بتوجيه من لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية أو وزارة الخزانة، وقد جرى أحيانًا تنسيقها مع بنوك مركزية أخرى، خصوصًا تلك المصدرة للعملات المعنية.
ومع ذلك، لا تعتمد الولايات المتحدة على التدخل المباشر بشكل متكرر، حيث تشير البيانات إلى أن عمليات التدخل اقتصرت منذ منتصف التسعينيات على حالات نادرة ومحددة.
تعكس التجربة الأمريكية نهجًا يقضي بترك تحديد قيمة الدولار لقوى السوق في الظروف العادية، مع الاحتفاظ بإمكانية التدخل عند حدوث اضطرابات استثنائية.
تجربة كندا
يتبع بنك كندا نهجًا مشابهًا، حيث يركز تدخله على مواجهة التحركات قصيرة الأجل التي تعطل عمل السوق، دون محاربة كل تراجع أو ارتفاع في قيمة الدولار الكندي.
اعتبارًا من سبتمبر 1998، تحولت السياسة النقدية في كندا من التدخل المنتظم لمواجهة الضغوط على العملة إلى التدخل التقديري في الظروف الاستثنائية فقط، بعد إدراك محدودية فاعلية التدخل في مقاومة التحركات الناجمة عن تغير العوامل الاقتصادية الأساسية.
كانت آخر مرة تدخل فيها البنك للتأثير على تحركات الدولار الكندي في سبتمبر من نفس العام، وإن شارك لاحقًا في تدخل منسق دوليًا لدعم الين الياباني في مارس 2011.
وفقًا للبنك، يمكن النظر في التدخل عند ظهور علامات اضطراب حاد ووشيك، مثل تقلبات سعرية مفرطة وتراجع استعداد المتعاملين للبيع والشراء، مما يشير إلى نقص كبير في السيولة، أو إذا هددت التحركات الحادة للعملة البيئة اللازمة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
توضح هذه التجربة أن البنك المركزي لا يسعى لمقاومة كل تحرك في سعر الصرف، بل يحتفظ بالتدخل لمواجهة الاختلالات والاضطرابات الاستثنائية التي تتجاوز طبيعة العوامل الاقتصادية الأساسية.
استجابات الأسواق الناشئة لتقلبات سعر الصرف
خلص بنك التسويات الدولية في دراسة استعرضت استجابات البنوك المركزية لتغيرات السياسة النقدية الأمريكية عبر 10 اقتصاديات ناشئة تستخدم أسعار صرف عائمة خلال الفترة من 2000 حتى يناير 2020، إلى أن استجابة البنوك لضغوط العملة تتأثر بحجم الالتزامات الخارجية المقومة بالدولار وعمق أسواق الصرف الأجنبية.
وأظهرت الدراسة أن الاقتصادات التي تجمع بين ارتفاع ديونها الخارجية بالعملات الأجنبية وضعف سيولة الأسواق تميل لبنوكها المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بمعدلات موازية أو تفوق التغيرات في السياسة الأمريكية، للحد من الضغوط على العملة المحلية.
في هذه الاقتصادات، تستخدم البنوك المركزية أيضًا التدخل في سوق الصرف لتوفير السيولة وتقليل التقلبات الحادة، وتتمثل استراتيجياتها في:
- بيع احتياطيات العملات الأجنبية بعد تشديد السياسة النقدية الأمريكية لدعم العملة المحلية وتقليل ضغوط التراجع.
- شراء العملات الأجنبية بعد تيسير السياسة الأمريكية للحد من ارتفاع قيمة العملة المحلية.
- تعزيز استجابات التدخل في الأسواق محدودة السيولة بتوفير احتياطيات نقدية أكبر.
وكانت استجابات التدخل في سوق الصرف في هذه الأسواق أكثر من ضعفي الاستجابات في تلك التي تتمتع بسيولة أكبر، مما يعكس أهمية التدخل في الأسواق محدودة العمق لاحتواء التحركات الحادة.
وأوضحت النتائج أن الاقتصادات التي تمتاز بارتفاع الديون الخارجية بالدولار وضعف أسواق الصرف سجلت استقرارًا نسبيًا في أسعار عملاتها بعد صدمات السياسة النقدية الأمريكية، نتيجة دور رفع الفائدة والتدخل لتقليل تقلبات العملة.
في المقابل، شهدت الاقتصادات ذات الاستثمارات الأجنبية الكبيرة في ديون العملة المحلية تراجعًا أكبر في أسعار الصرف، مع استجابة أقل لأدوات السياسة النقدية أو التدخل في الأسواق من البنوك المركزية.
رؤية صندوق النقد الدولي
يرى صندوق النقد الدولي أن تدخل البنوك المركزية في سوق الصرف قد يكون ضروريًا في الاقتصادات التي تعتمد أسعار صرف مرنة، عندما تتسبب الصدمات الخارجية في اضطرابات تهدد الاستقرار الاقتصادي والمالي، مع التأكيد على أن التدخل يجب أن يكون استثنائيًا مكملًا للسياسات النقدية والمالية وليس بديلاً عنها.
يحدد الصندوق ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتطلب التدخل:
- تراجع سيولة سوق الصرف بما يزيد الضغوط الناتجة عن خروج رؤوس الأموال ويهدد الاستقرار المالي.
- حدوث هبوط حاد في العملة يهدد بإشعال أزمات بسبب انكشاف الشركات والقطاع الخاص على ديون مقومة بالدولار دون تحوط كافٍ.
- تسبب تراجع العملة في ارتفاع مستمر للأسعار وتزايد توقعات التضخم، مما يستلزم تدخلًا بالتوازي مع رفع أسعار الفائدة للحد من الضغوط التضخمية وتقليل الأثر السلبي للتشديد على النمو.
في هذه الحالات، يمكن للبنك المركزي بيع احتياطيات النقد الأجنبي أو إقراضها للسوق لتوفير السيولة وتهدئة الاضطرابات، مع أن فاعلية التدخل تعتمد على طبيعة الصدمة، حجمها، توافر الاحتياطيات، ومدى تكامله مع أدوات السياسة النقدية والتدابير الاحترازية للحد من الاقتراض بالعملات الأجنبية.
